


قمح السودان .. لماذا نستورد ما نستطيع زراعته؟ - (08-09-2026)

بقلم: د. محمد سعد علي بيومي
مدير عام الارشاد الزراعي وزارة الزراعة والري
biyumi2000@yahoo.com
السودان لديه الأرض، الماء، والشتاء المناسب لزراعة القمح. فلماذا نزرع القمح ثم نعود مرة أخرى إلى الاستيراد؟
هذا السؤال يتكرر كل عام، خصوصاً مع بداية الموسم الشتوي. نسمع عن زيادة المساحات، وعن تمويل جديد، وعن خطط لرفع الإنتاج، لكن المواطن في النهاية لا يسأل عن عدد الأفدنة التي زُرعت، وإنما يسأل سؤالاً أبسط: هل أصبح الخبز متوفراً وبسعر مناسب؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
السودان ينتج القمح، لكن هل ينتج الكمية التي يحتاجها. وفي موسم 2025/2026 قُدّر إنتاج القمح بنحو 433 ألف طن فقط، وهو أقل من متوسط السنوات الخمس السابقة، بينما تظل حاجة البلاد أكبر بكثير من الإنتاج المحلي.
لذلك نلجأ إلى الاستيراد.
لكن هل الحل هو فقط أن نزرع مساحات أكبر؟
ليس دائماً.
الفدان الذي ينتج طناً ليس مثل الفدان الذي ينتج طنّين أو أكثر. والطن الذي ننتجه بتكلفة عالية قد يكون أغلى م نالقمح الذي نستطيع استيراده من الخارج.
لذلك، بدلاً من أن نسأل فقط: كم فداناً سنزرع؟ يجب أن نسأل :كم سينتج الفدان؟ وكم سيكلفنا طن القمح؟
وهنا يتغير النقاش كله.
الماء . . القصة التي لا نراها في رغيف الخبز
القمح يحتاج إلى الماء، والقمح في السودان يعتمد في كثير من المناطق على الري.
كثيراً ما نسمع أن إنتاج كيلوغرام واحد من القمح يحتاج إلى نحو ألف لتر من الماء. لكن هذا الرقم لا يعني أن المزارع يضخ ألف لتر لكل كيلوغرام ينتجه. فهناك فرق بين المياه التي يحتاجها النبات فعلياً، والمياه التي يتم ضخها في الحقل، وبينهماعوامل كثيرة مثل التربة، ودرجة الحرارة، وكفاءة الري.
وتقدر منظمة الأغذية والزراعة الاحتياج المائي الموسمي للقمح بنحو 450–650 ملم، مع اختلاف الاحتياج من منطقة إلى أخرى.
وفي دراسة على مناطق الطين في السودان، تراوحت كمية المياه التي يستهلكها النبات فعلياً بين 400 و600 ملم، بينما تراوحت إنتاجية المياه بين 1.2 و1.5 كيلوغرام من القمح لكل متر مكعب من المياه.
المهم هنا ليس الرقم وحده.
المهم أن نسأل: هل نستطيع إنتاج قمح أكثر بالمياه نفسها؟
إذا كان فدان يستخدم كمية معينة من المياه وينتج طناً ونصف الطن، ثم استطعنا رفع إنتاجه إلى طنّين أوأ كثر باستخدام الصنف المناسب والري الجيد والتسميد في الوقت المناسب، فنحن لم ننتج قمحاً أكثر فقط، بل استخدمنا الماء بصورة أفضل.
وهذا مهم جداً في بلد مثل السودان.
المشكلة ليست الماء وحده
هناك تكلفة أخرى لا يراها الناس عندما ينظرون إلى الحقل: تكلفةالطاقة.
في الزراعة المروية، يحتاج المزارع إلى ضخ المياه، وهذا يعني وقوداً أو كهرباء. وعندما ترتفع تكلفة الوقود، ترتفع تكلفة القمح.
لذلك أصبحت الطاقة الشمسية فرصة مهمة، خاصة في المناطق التي تتمتع بساعات طويلة من الشمس، مثل الولاية الشمالية. وقد أظهرت تجارب ودراسات إمكانية استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل طلمبات الري وتقليل الاعتماد على الوقود.
لكن علينا أن نكون واقعيين.
ليس كل مشروع للطاقة الشمسية مربحاً لمجرد أنه يعمل بالطاقة الشمسية. المطلوب هو أن نحسب التكلفة كاملة. تكلفة شراء النظام، وصيانته، وعمره، وكمية المياه التي يستطيع ضخها، ثم نقارن ذلك بتكلفة الديزل أو الكهرباء.
الهدف في النهاية هو شيء واحد: خفض تكلفة إنتاج طن القمح.
وماذا عن التمويل؟
التمويل مشكلة كبيرة أيضاً.
المزارع يحتاج المال في الوقت المناسب لشراء التقاوى والأسمدة والوقود وتجهيز الأرض. وإذا جاء التمويل متأخراً، قد تتأخر الزراعة، وإذا تأخرت الزراعة قد ينخفض الإنتاج.
ومع الحرب وتراجع قدرة الجهاز المصرفي، أصبح الحصول على التمويل الزراعي أكثر صعوبة في مناطق عديدة. وتشير تقارير حديثة إلى أن التمويل الزراعي المقدم عبر الجهاز المصرفي انخفض بشدة مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
لكن الحل ليس فقط أن نقول "نحتاج إلى أموال أكثر".
نحتاج إلى تمويل أفضل.
أي أن يرتبط البنك بالمزارع، ومورد المدخلات، والمشتري، والمطحنة. يحصل المزارع على احتياجاته في الوقت المناسب، ويكون هناك مشترٍ واضح للمحصول، ويُسدد التمويل من عائد الإنتاج.
بهذه الطريقة يصبح التمويل جزءاً من دورة الإنتاج، وليس مجرد قرض ينتظر المزارع سداده بعد نهاية الموسم.
ماذا نتعلم من الدول الأخرى؟
السودان ليس البلد الوحيد الذي يواجه مشكلة الماء والقمح.
في المغرب، مثلاً، ركزت تجارب حديثة على استخدام المياه في الوقت المناسب وبالكمية المناسبة، بدلاً من زيادة الري بشكل مستمر. وفي بعض التجارب أمكن خفض مياه الري بنسب وصلت إلى نحو 26–45% مع الحفاظ على إنتاجية مرتفعة.
وفي إثيوبيا، أظهرت دراسة أن تقليل كمية المياه عن الاحتياج الكامل يمكن أن يوفر كمية كبيرة من المياه مع الحفاظ على إنتاج جيد.
وفي مصر، أظهرت التجارب أن اختيار الصنف المناسب وتنظيم الري يمكن أن يحسنا إنتاج القمح والاستفادة من كل متر مكعب من المياه.
هذه الدول مختلفة عن السودا، ولا يمكن نسخ تجاربها كما هي.
لكنها تعطينا درساً مهماً:
ليس المطلوب دائماً أن نعطي المحصول ماءً أكثر، المطلوب أن نعطيه الماء المناسب في الوقت المناسب.
هل نزرع القمح في كل مكان؟
ربما هنا يجب أن نعيد التفكير.
ليس كل مكان في السودان مناسباً للقمح بنفسا لدرجة، وليس كل فدان يعطي نفس الإنتاج، وليس كل منطقة لديها نفس تكلفة المياه والطاقة والنقل.
لذلك نحتاج إلى معرفة واضحة: أين يمكن أن ينتج السودان القمح بأقل تكلفة وأعلى إنتاجية؟
قد تكون هناك مناطق تنتج القمح بصورة أفضل بسبب توفر المياه والطاقة وقربها من الأسواق وملاءمة التربة والمناخ.
إذا عرفنا هذه المناطق، يمكن أن نوجه إليها التمويل، والتقاوى الجيدة، والبحث الزراعي، والإرشاد، والطاقة والبنية التحتية.
بدلاً من توزيع الجهد على مساحات واسعة، نركزعلى الأماكن التي تعطينا أفضل نتيجة.
ماذا نحتاج من الإرشاد الزراعي؟
الإرشاد الزراعي يجب أن يتغير أيضاً.
المزارع لا يحتاج فقط إلى من يقول له "ازرع هذا الصنف، واستخدم هذا السماد".
يحتاج أيضاً إلى من يساعده في معرفة:
كم ستكلفني الزراعة؟
كم أتوقع أن أنتج؟
كم سأدفع للري؟
هل هذا الصنف مناسب لمنطقتي؟
ماذا يحدث إذا ارتفع سعر السماد أو انخفض سعر القمح؟
أي أن الإرشاد يجب أن يساع دالمزارع في الإنتاج والربح معاً.
هل يجب أن نوقف الاستيراد؟
لا.
فالاستيراد ليس المشكلة في حد ذاته.
إذا كان إنتاج طن القمح محلياً يكلف أكثر بكثير من استيراده، فقد يكون الاستيراد في تلك السنة قراراً اقتصادياً منطقياً.
لكن المشكلة عندما يصبح الاستيراد هو الحل الدائم، بينما لا نعمل بما يكفي على تقوية الإنتاج المحلي.
وفي الوقت نفسه، ليس من الصحيح أن نقول إن السودان يجب أن ينتج كل احتياجاته مهما كانت التكلفة.
الأمن الغذائي لا يعني أن ننتج كل شيء بأي ثمن.
الأمن الغذائي يعني أن نضمن الغذاء للمواطن بسعر مناسب، وأن يكون لدينا إنتاج محلي قوي، وأن نكون قادرين على الاستيراد عندما نحتاج، من دون أن نكون معتمدين عليه بشكل دائم.
الطريق إلى الحل
السودان يحتاج إلى سياسة جديدة للقمح، تبدأ من أسئلة بسيطة:
أين نزرع؟ كم ننتج من الفدان؟ كم يكلفنا الطن؟ كم ماء نستخدم لإنتاجه؟ وكم تبلغ تكلفة القمح المستورد حتى يصل إلى السودان؟
بعد ذلك تأتي الحلول.
نحتاج إلى أصناف أفضل وأكثر تحملاً للحرارة، وإدارة أفضل للري، وطاقة أقل تكلفة، وتمويل يصل في الوقت المناسب، وإرشاد يهتم بالإنتاج والربحية، وتحسين الحصاد والتخزين والنقل وتقليل الفاقد.
ونحتاج قبل كل شيء إلى أن نقيس نجاحنا بطريقة مختلفة.
لا يكفي أن نقول: زرعنا مليون فدان.
السؤال الأهم هو:
كم طن أنتجنا من هذه الأفدنة؟
وكم كلفنا الطن؟
وكم ماء استخدمنا؟
وكم ربح المزارع؟
وكم وفرنا من النقد الأجنبي؟
إذا بدأنا ننظر إلى القمح بهذه الطريقة، سيتحول النقاش من صراع حول المساحات والأرقام إلى نقاش حول الكفاءة والنتائج.
فالسودان لا تنقصه الأرض فقط، ولا تنقصه المياه فقط، ولا تنقصه الخبرات وحدها.
ما نحتاجه هو أن نجمع هذه الموارد في منظومة واحدة تعمل بكفاءة.
المستقبل ليس لمن يزرع أكبر مساحة، وإنما لمن ينتج أكثر من كل فدان، ويستهلك ماءً أقل لكل كيلوغرام، وينفق أقل لإنتاج كل طن.
وعندما يصبح القمح السوداني منافساً اقتصادياً، لن نحتاج إلى إعلان الحرب على الاستيراد.
سوف تنخفض الحاجة إليه من تلقاء نفسها.
وهنا يكون السودان قد بدأ فعلاً في بناء أمنه الغذائي.